أحمد زكي صفوت

47

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

قد خان اللّه ، فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه ؟ فأتمروا بألّا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل ، فيخالف أمرهم إلا قصبوه « 1 » عندك ونفوه ، حتى تسقط منزلته ، ويصغر قدره ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم ، أعظمهم الناس وهابوهم ، فكان أول من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ، ليقووا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك ، لينالوا به ظلم من دونهم فامتلأت بلاد اللّه بالطمع بغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك ، وأنت غافل ، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك ، فإن أراد رفع قصّته إليك عند ظهورك ، وجدك قد نهيت عن ذلك ، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاءك ذلك الرجل ، فبلغ بطانتك خبره ، سألوا صاحب المظالم ألّا يرفع مظلمته إليك ، فإن المتظلّم منه له بهم حرمة ، فأجابهم خوفا منهم ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ، ويلوذ به ، ويشكو ويستغيث ، وهو يدفعه ويعتلّ عليه ، فإذا أجهد وأحرج وظهرت ، صرخ بين يديك ، فضرب ضربا مبرّحا ليكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر فلا تنكر ، فما بقاء الإسلام على هذا ؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين فقدمتها مرة ، وقد أصيب ملكها بسمعه ، فبكى يوما بكاء شديدا ، فحثّه جلساؤه على الصبر ، فقال : أما إني لست أبكى للبليّة النازلة بي ، ولكني أبكى لمظلوم بالباب يصرخ ، ولا أسمع صوته ، ثم قال : أمّا إذا ذهب سمعي ، فإن بصرى لم يذهب ، نادوا في الناس ألّا يلبس ثوبا أحمر إلا متظلم ، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره ، وينظر هل يرى مظلوما ؟ فهذا يا أمير المؤمنين مشرك باللّه ، غلبت رأفته بالمشركين شحّ نفسه ، وأنت مؤمن باللّه ، ثم من أهل بيت نبيه ، لا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك ؟ فإن كنت إنما تجمع المال لولدك ، فقد أراك اللّه عبرا في الطفل ، يسقط من بطن أمه ،

--> ( 1 ) عابوه وشتموه ، وفي العقد الفريد : « خونوه » .